الحقيقة الأسبوعية



اسمع راديو


 

تقارير

الرئيسية

 

 سجن بلا قضبان

تقرير لمى شحادة

ينتهون من مرحلة التعليم الثانوي، يخرجون إلى المدن للعمل أو للتعلم، يبلغون جيل الزواج فيصطدمون بواقعٍ جديد قد يصنع لهم تغييرًا جذريًا في مجرى حياتهم.. هذه هي حال الشباب العرب في إسرائيل. لا يهم إن كنت غنيًا أم فقيرًا، لا يهم إن كان لديك عمل أم كنت عاطلاً عنه، فالجميع آيل إلى ذات المواجهة؛ المسكن في دولة لا تحاصر تقدّمك فحسب بل تحاصر وجودك فيها.

بكفيش الواحد بالقوّة ملاقي شغل كمان مفش وين يسكن، قالها  لي أحدهم، وبحسرة أكبر أخبرني أنه لا يريد لأطفاله أن يكبروا بعيدًا عن بلدته وأهله لكن قطعة الأرض التي يملكها أبوه لم تحتسب بعد ضمن مسطح القرية الرسمي، ولهذا فلن يتمكن من البناء هناك واضطر للخروج وزوجته للبحث عن بيتٍ في المدن المختلطة، عسى أن  يجد حلًا قبل أن يولد أبناؤه.

 والتضييق مستمر 

لا يكف الغيّورون المهتمون ببلداتهم من الحديث المستمر عن حال البلدات العربية اليوم، الكلّ يتحدث عن التطوير المعدوم، ولكن عن أي تطوير يمكننا أن نتحدث في بلدة ما زالت منذ عشرين سنة على ذات الرقعة الضيّقة؟ أي تطور في بلدة كبرت فيها أجيالٌ من الأطفال والشباب وازدادت كثافتها السكانية وربّما تضاعفت دونما زيادة متر واحد على مساحتها؟

الحقيقة التقت مصمّمة المدن المهندسة عناية بنّا-جريس،  والتي تعمل في المركز العربي للتخطيط البديل. تحدثت بنّا عن سياسة مدروسة يمكننا أن نسمّيها بسياسة الحصار، فحسب ما وصفت لنا فإن الذي يحصل اليوم في بلداتنا هو أشبه بضرب حصار على هذه البلدات وأهلها.

لا يوجد مخططات توسيع لمسطحات البناء في البلدات العربية، ما يوجد اليوم هو مخططات تصلح للبلدة العربية التي كانت قبل عشرة أعوام ولا تصلح لحال البلدة اليوم، تقول بنّا. 

لا يوجد أراضٍ للبناء في بلداتنا اليوم، إذ أن مسطحات البناء الموجودة ضمن نفوذ السلطة المحلية لأي بلدة عربية هي ذاتها منذ سنين رغم الازدياد السكاني الطبيعي الحاصل في البلدة. المشكلة اليوم هي نقص المخططات الهيكلية التي تناسب التطور الطبيعي الحاليّ والمستقبلي، فالمخططات الهيكلية هي مخططات قديمة لا تمت لا للواقع ولا للمستقبل بصلة ولا تلبّي حاجات البلدة السكنية. هذا ما أسهبت بنّا في شرحه وهو ما يحصل اليوم إذ أنه منذ عام 2000 عندما قررت الحكومة بأن تعدّ مخططات هيكلية للبلدات العربية قامت الجهات المسؤولة فعلا بإعداد ما يزيد عن 34 مخططًا لهذه البلدات، لكن أيًا من هذه المخططات لم يناسبها ولم يرتق لحلّ المشكلة.

هذا ناهيك عن أنه حتى لو كنت محظوظًا وأضيفت قطعة الأرض التي تمتلكها إلى مسطح البناء في القرية بعد سنين طويلة من الانتظار فلن تتمكن بتلك السرعة ولا بتلك السهولة من الحصول على رخصة للبناء فإن عقبات جديدة تضعها الجهات المسؤولة في وجه من يريد البناء على قطعة الأرض هذه، إذ تطلب منه خرائط مفصلة  ما يتطلب وقتًا طويلًا من أجل تجهيزها والمصادقة عليها، وحسب بنّا فإن هذه المدة قد تصل إلى 7 سنوات من الانتظار.

أين الأراضي؟ مصادرات، مستوطنات وشوارع

ولكن ما المشكلة في زيادة مسطحات البناء؟ ألا يوجد أراضٍ كافية من أجل هذا الهدف؟

يوجد أراضٍ، تقول بنَّا، لكن السؤال أين هي هذه الأراضي؟ لكل بلدة هناك ما يسمّى بمنطقة نفوذ، وهي مساحة معينة من الأراضي تتبع للبلدة ويمكنها مستقبلًا أن تنضم لمسطح البناء حسب الازدياد السكاني وحسب حاجة هذه البلدة. لكن مناطق نفوذ بلداتنا العربية باتت تتقلص لأهداف تخدم السلطة ومخططاتها، لا السكان العرب.

آلاف الدونمات، بل عشرات آلاف الدونمات صادرتها الحكومة الإسرائيلية من مناطق النفوذ العربية من أجل بناء حدائق قومية أو محميات طبيعية بمحاذاة البلدات العربية، في مناطق تقول بنّا أنها لا تملك في الغالب أي ميزة بيئية أو طبيعية مميزة.

الحديث لا يدور فقط عن محميات وحدائق، إنما ما هو أخطر من ذلك هو عمليات التهويد، تهويد النقب والجليل وسائر أرجاء الدولة وما يتمثل بزرع المستوطنات اليهودية حول البلدات العربية بشكل مدروس يطوّق هذه البلدات من جميع الجهات. وأكبر مثال على ذلك منطقة مثلث يوم الأرض؛ عرّابة، دير حنا وسخنين، البلدات الثلاث محاطة بمستوطنات يهودية أقيمت على أراضيهم التاريخية وصنعت طوقًا حولها. هذا يعني أن أيًا من هذه البلدات لن تتمكن في المستقبل القريب أو البعيد من توسيع مسطحاتها. مدن ومستوطنات أخرى في طريقها إلينا، كمدينة اليهود المتزمتين التي ستقام قرب الناصرة على أراضي عين ماهل والشجرة وعرب الشبلي وستضم 10,000 وحدة سكنية جديدة لاستيعاب 50,000 مستوطن، ومدينة كسيف في النقب والتي تعد كذلك لتوطين حوالي 100,000 من اليهود المتزمتين فيها، إضافة إلى مدينة المتزمتين الأخرى المزمع إقامتها في منطقة وادي عارة. وماذا عن الشباب والسكان العرب في البلدات؟ فليتدبروا أمرهم!

المحميات، الحدائق القومية، المستوطنات اليهودية هي اليوم حدود البلدات العربية. أضافة إلى هذه التركيبة هناك وسيلة أخرى تضيّق على البلدات العربية وتسلبها أراضيها؛ إنها شقّ الشوارع.

تقول بنّا أن أحدًا لا يأخذ بعين الاعتبار تطوّر البلدة العربية وحاجاتها عند الحديث عن شارع يمرّ في هذه البلدات، إنما يقام هذا الشارع على الأراضي الخاصة بهذه البلدة ويشكّل حدًا لها. أكبر مثال على ذلك هو شارع رقم 6، عابر إسرائيل، الذي تقول بنّا عنه: عند السير في هذا الشارع تشعر نفسك وكأنك في دولة عربية فلا تحاذيه من الجهتين إلا البلدات العربية، فمثلا، هذا الشارع يمرّ من فوق قرى عربية غير معترف بها في النقب، وليس فقط بمحاذاة هذه القرى. مثال آخر هي قرية جسر الزرقاء، القرية الساحلية التي حدّها من الشرق شارع رقم 2 ومنع عنها أي توسّع نحو الشرق، واليوم تجري محاولات للحصول على موافقات من أجل امتداد القرية إلى شرقي الشارع وجميع المحاولات تبوء بالفشل، بينما نجد مدينة الخضيرة المحاذية لجسر الزرقاء تمتد منطقة نفوذها إلى شرقي الشارع دون عقبات.

باقة الغربية أيضًا هي أيضًا (قرية/مدينة) يحدّها شارع رقم 6 وجدار الفصل العنصري من الجهتين ولا تجد منفذًا للتوسّع.

ما العمل؟

لا مكان في قرانا ومدننا، وإن وجدنا اليوم مكانًا أو أرضًا أو بيتًا فلن نجدهم في المستقبل. عشرات آلاف الشباب العرب يبحثون سنويًا عن بيوت كي يبدأوا حياتهم المستقلة، ولكن لا مكان لعشرات الآلاف في البلدات العربية.

هل سنستيقظ يومًا على بلداتٍ عربية لا تطالها الشمس من كثرة وعلو البنايات؟ هل سيبني الأب ثلاثة بيوت فوق بيته كي يسكنوا فيها؟ ويفعل جاره الأمر نفسه وجارهم الآخر قد يحتاج لخمسة بيوت وهو نفسه يسكن فوق بيت أهله؟

الكثيرون يفعلون هذا، فليس لدى الجميع الإمكانيات المادية لشراء بيتٍ أو استئجاره في مدينة. فبتنا ندخل إلى القرى العربية لنجد بيوتاً متلاصقة وملاصقة للشوارع، لا حدائق، لا ساحات، لا مواقف للسيارات ولا حتى أرصفة. كل المناطق باتت ضيّقة والضغط مستمر.

لست مستعدًا لأسكن في بيت في قريتي، فلن يكون مريحًا لي أن أفتح نافذة تطل على غرفة جاري، أو أن أجلس على شرفة بيتي فأشعر أنني جالس في بيت جاري، ليس هذا بالوضع المريح ولا الصحيّ أصلا. جميعنا بحاجة لخصوصية، قالها لي عادل، وهو شابّ في العشرينات من عمره يبحث عن بيت في مدينة مختلطة. سألته إن كان يفضّل المدينة المختلطة عن قريته وأهله ومجتمعه، فأجاب: في وضعٍ كالذي تعيشه قرانا العربية طبعًا أفضل السكن بعيدًا في مدينة مختلطة وإن كنت أعلم أنني سأواجه الصعوبات هناك، لكن يبقى هذا أرحم من حيّ لا أجد فيه مكانًا لركن سيارتي.

سكن العرب في المدن المختلطة والمقامة أصلا على أراضيهم لم يعد سكنًا إنما أصبح يسمى ب خطرًا ديموغرافيًا، شبحًا ديموغرافيًا، ظاهرة خطيرة، احتلالًا عربيًا، سيطرة عربية، تطورات مثيرة للقلق.. وغيرها من المصطلحات التي عنونت التقارير في الصحف العبرية في البلاد. فالعربي مرفوض في كرميئيل، مرفوض في نتسيرت عيليت، مرفوض في تل أبيب وعكا وحيفا.. والتحريض على عدم بيع البيوت للعرب مستمر في مختلف المدن. 

العنصرية والتمييز المستمران وتعامل السلطات المحلية في هذه المدن بأسلوب التهميش والتجاهل تجاه السكان العرب باتا يشكلان رادعًا أمام الشباب الذين يقصدون المدن المختلطة للسكن، هذا ناهيك عن عدم توفر الخدمات الخاصة بالعرب في هذه المدن في مجال التربية والتعليم مثلا (مدارس عربية) وعدم توفر المؤسسات الثقافية والخدماتية والأطر التربوية والفضاء الذي يتلاءم مع احتياجات السكان العرب. فنجد إما أطفالاً عرباً يتعلمون في قراهم العربية ويسكنون في المدن المختلطة فيعيشون ومنذ طفولتهم مشتتين بين هنا وهناك، أو نجد أطفالا يتعلمون في مدارس عبرية منهاجها لا يخصهم بل وترفضهم وتشعرهم بالتمييز العنصري منذ الصغر.

لا البلدات العربية صالحة، ولا المدن المختلطة تشكل حلًا لمشكلة المسكن لدى الشباب العرب. وطبعًا لن يكون الحل في سكن العرب في البلدات التعاونية (الموشافيم) اليهودية، فهناك الرفض الرسمي يأتيك من لجنة القبول المعينة للموافقة على الانضمام للبلدة.

80% من أراضي الدولة هي اليوم تحت سلطة المجالس الإقليمية والتي هي بغالبها بلدات تعاونية ومستوطنات يهودية (مع وجود بلدات عربية لا يتعدى عددها أصابع اليد)، أي أن  العربي ممنوع من السكن في حوالي 80% من أراضي الدولة، وهذا لا يعني أنه مرحب به في الـ20% من الأراضي إذ أن هذه النسبة تشمل أيضًا المدن اليهودية والمدن المختلطة والمناطق التابعة للدولة. وفقط 3.4% من مساحة البلاد هي مناطق نفوذ بلداتنا العربية اليوم بينما يشكل المواطنون العرب أكثر من 18% من السكان. فإلى أين نذهب؟

السلطات المحلية، هل تملك الحل؟

تقوله المهندسة عناية بنّا: إن المسؤول اليوم عن كلّ المخططات الهيكلية ومناطق النفوذ ومسطحات البناء هي لجان التخطيط المحلية التي تقدّم الخرائط والتوصيات بهذا الخصوص . هذه اللجان إضافة إلى السلطات المحلية هي المخولة بهذا الخصوص، وللسلطة المحلية حق الاعتراض والمشاركة. لكن حسب المركز العربي للتخطيط البديل فإنه في لواء الشمال على سبيل المثال يشكل المواطنون العرب نسبة 52% من السكان لكن نسبة ممثليهم في لجنة التخطيط في اللواء لا تتعدى الـ11%.

ومع هذا، وبالرغم من التمثيل الضئيل وبالرغم من أزمة سلطاتنا المحلية فإنها الجهة الوحيدة القادرة على المطالبة بالتوسع. إن توسّع القرية أو البلدة العربية هو إنجاز كبير للسلطة المحلية، وأنا أرى بوجوب أن تضع السلطات المحلية قضية التخطيط والبناء في أعلى سلم أولوياتها بالرغم من كل العقبات الموضوعة أمامها، تقول بنّا.

وتشدّد بنّا كذلك على حاجة مجالسنا لتشغيل المهنيين في هذا المجالس من مهندسين من أجل العمل على المطالبة وتقديم الاعتراضات وطرح الحلول للبلدات، فهناك اليوم إصلاحات في قانون التخطيط والبناء وتم إعطاء سلطة أكبر للسلطة المحلية وللجان التخطيط في هذه القضيّة. وفي هذا فرصة جيّدة للمواطنين العرب بالتخطيط من أجل أنفسهم بما يتلاءم مع حاجاتهم.

ولكن بالمقابل تشير بنّا إلى التمييز الصارخ تجاه سلطاتنا المحلية، وشحّ الميزانيات الذي يحول دون تنفيذ العديد من المشاريع. وتقول: لو بقي حال سلطاتنا المحلية كما هو اليوم في السنين القادمة فإن العرب في هذه البلاد سيواجهون مشكلة جديّة وستزداد أزمة المسكن وستتفاقم بشكل خطر.

فماذا ينتظرنا في المستقبل؟ وهل سيجد الطفل الذي ولد اليوم بيتًا له بعد ثلاثين سنة؟ أم أنه سيضطر إلى مغادرة البلاد وليس فقط مغادرة قريته؟

مشكلة المسكن لم تعد مشكلة يعاني منها بعض الشباب، ولا مشكلة تعاني منها بلدة عربية دون أخرى.. بل هي أزمة حقيقية تواجهها كافة البلدات العربية في البلاد. وقد حان الوقت فعلا لأن تأخذ هذه المشكلة صدارة أولويات قياداتنا العربية كي لا نجد أنفسنا قريباً على هامش الحياة.

 
 20/11/2009

أضف تعليقا

  أرسل إلى صديق

عن الحقيقة | للإعلان | اتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة للحقيقة