الحقيقة الأسبوعية



اسمع راديو


 

تقارير

الرئيسية

 

 الآلاف في وداع الشخصية الوطنية د. أحمد سعد

بالتزامن مع ذكرى إحياء النكبة شيعّ الآلاف جثمان المرحوم الدكتور أحمد سعد، النائب السابق ورئيس تحرير جريدة الاتحاد، الذي توفي عشية مساء الاثنين الماضي في كفرياسيف بعد صراع طويل مع المرض. وقد خيّم الحزن والألم على رفاقه وأصدقائه ومحبيه وقرائه وسادت أجواء حزينة في سماء مسقط رأسه البروة وقريتي أبو سنان وكفرياسيف.

انطلق موكب الجنازة من بيت الفقيد في كفرياسيف تقدمه حملة أكاليل الزهور، ثم الفرقة النحاسية للشبيبة الشيوعية التي عزفت معزوفة الحزن. وأمام النعش اصطفت قيادة الحزب الشيوعي والجبهة برز من بينهم السكرتير العام للحزب الشيوعي محمد نفاع وسكرتير الجبهة المحامي أيمن عودة ورئيس الجبهة النائب محمد بركة ورئيس كتلة الجبهة النائب د. حنا سويد والنائبان الجبهويان د. عفو إغبارية ود. حنا سويد ورئيس اللجنة القطرية للرؤساء المهندس رامز جرايسي وكذلك النائب سعيد نفاع وعدد من رؤساء السلطات المحلية العربية ورجال الدين من مختلف الطوائف.

 

 

 

رفيق نصرة: سنفتقدك دائمًا في ساحات النضال والكفاح

 

وبعد الانتهاء من مراسم الدفن أقيم بالمكان حفل تأبيني افتتحه وتولى عرافته سكرتير فرع الجبهة في أبو سنان الرفيق رفيق نصرة الذي قال: جئنا لنودعك أيها الرفيق العزيز الدكتور أحمد سعد في هذا اليوم المشؤوم، يوم نكبتك ونكبة أبناء شعبك الفلسطيني، فخسارتنا كبيرة ومؤلمة، لكن عزاؤنا بخلفك، بأبناءك وبناتك، بأهلك وأنسبائك، بحزبك الشيوعي وجبهتك الديمقراطية. سنفتقدك دائمًا في ساحات النضال والكفاح، في الأول من أيار وفي أيام الأرض وفي المؤتمرات والاجتماعات.

 

نفاع: تغادرنا الآن ونحن ما زلنا بحاجة إليك

 

ثم ألقى السكرتير العام للحزب الشيوعي الكاتب محمد نفاع كلمة تأبين قال فيها: عشرات السنين كنت عضوًا نشيطًا وفعالاً ومفكرًا تخطّ بأناملك سياسة وفكر الحزب في كافة المجالات وها أنت تغادرنا الآن ونحن ما زلنا بحاجة إليك. غادرت في ذكرى النكبة وأنت من المهجّرين الصامدين المكافحين، وكأني خلت أراك تخط كلمة الاتحاد عن ذكرى النكبة ولكن الاتحاد الصادرة في صباح الغد ستصدر وللأسف مكحلة ومؤطّرة بالسواد وتحمل صورتك والنعي والوداع الأخير.

 

 

غونين: انغرست في وطنك شامخًا كشجرة الزيتون

 

وألقى عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي بنيامين غونين كلمة قال فيها: ليس من قبيل الصدف أنك ذهبت عنا في يوم النكبة، فقد ناضلت سنوات طويلة جدًا مع رفاقك اليهود والعرب من أجل السلام العادل، من أجل أن ينال الشعب الفلسطيني حقه بإقامة دولته المستقلة، من أجل حقك أنت، فقد ولدتَ في بلدك المهجّرة في هذه البلاد وانغرست في وطنك كشجرة الزيتون شامخًا وأصيلاً.

 

حامد أبو جبل: جسّد بنفسه معاناة شعبه منذ ولادته

 

عن الأهل في الجولان السوري المحتل كانت كلمة الأخ حامد أبو جبل الذي قال: جسّد د. أحمد سعد بنفسه مثلاً حيًا لمعاناة شعبه منذ ولادته، مرورًا بتهجيره وكفاحه من أجل العودة والحياة الحرة الكريمة. عمل من أجل ترسيخ القيم الإنسانية بين الناس وحيث تواجد كان سندًا داعمًا لنضالنا كجولانيين ضد الاحتلال والظلم. كان ذخرًا وعونا لطلابنا الذين درسوا في الاتحاد السوفييتي حيث تواجد معهم هناك مناصرًا لهم.

 

 

 

بركة: لم تعد للبروة ولكنك رسمت طريق العودة إليها

 

وألقى رئيس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة النائب محمد بركة كلمة قال فيها: مسيرة العودة في مسكة انتهت ولكن العودة إلى قرانا المهجّرة لم تنته حتى نعود إليها. أنت لم تعد للبروة ولكنك رسمت طريق العودة إليها. لا أدري إن كنت سأحظى بالعودة إلى صفورية ولكن أمل العودة الذي يظهر في كتاباتك يؤكد أنه لا مناص من تحقيقه وهو أمر مؤكد لن يسقطه، لا التهجير ولا الترحيل ولا التقادم، لأن حق العودة هو حق حتى العودة.

 

د. فادي محمود سعد: على درب العم أحمد سعد، درب العزة والكرامة سائرون

 

وباسم العائلة ألقى د. فادي محمود سعد إبن أخ المرحوم أحمد سعد كلمة قال فيها: صحيح أنني سأتحدث باسم عائلة سعد ولكنني أنظر إليكم الآن وأرى في كل فرد منكم جزءاً من عائلة أحمد سعد. فعائلة أحمد سعد لم تنحصر بآل سعد بل على كل عائلة وكل بلد، على كفرياسيف وبلده أبو سنان والبروة والجليل والجولان المحتل وفلسطين كلها.. هذه هي عائلة أحمد سعد.

أحمد سعد هو عمي وهو أبي، هو الإنسان البسيط، المتواضع والمحب، هو المفكِّر المناضل وهو رمز لكل فلسطيني مهجّر عانى وقاسى وكافح من أجل البقاء والعودة. وأنا وإياكم على درب العم أحمد سعد، درب العزة والكرامة، درب التحرير والسلام.

وقرأ فادي متأثرًا قصيدة بعث بها شقيقه طارق محمود سعد الذي لم يتمكن من المشاركة في الجنازة لوجوده في ألمانيا حيث يدرس هناك وقد عرفت علاقته بعمّه الراحل كعلاقة الأب بابنه.

 

الدكتور أحمد سعد يتحدّث لـالحقيقة وهو على فراش المرض القاتل

 

وقد حظيت صحيفة الحقيقة قبل أقل من ثلاثة أشهر من وفاة أبي محمد د. أحمد سعد بإجراء لقاء معه ونشره على حلقتين ضمن زاوية ذاكرة وطن وخلال اللقاء استرسل المرحوم في الحديث عن مرارة العلقم التي ذاقها على جلده منذ النكبة والتهجير وشظف العيش الذي عانى منه سنوات طويلة بعد أن طرد وهجر هو وعائلته وأبناء بلده من البروة.

عندما عاد بالذاكرة إلى النكبة والتهجير عام 1948 قال بألم: في فترة التهجير ذُقنا المُرّْ ومُرّْ المُرّْ، سكنا في براكيِّة مْكَوَّنِة من غُرُفْتينْ، غُرفِة كان أبويْ يِحُطّْ فيها الطَحِشْ والثانيِّة نْنام فيها كُلّْ العيلِة على الحصيرِة، أبوي كان المعيل الوحيد للعيلِة بَتْذَكَّر دائمًا كنت أنِام وهو يِشْتغِلْ وأفِيقْ الصُبِحْ وهو يِشْتغِلْ.... وعندما تذكر طفولته، صَمَتَ أبو محمد لِبِضع ثواني وكَبَتْ أنفاسُه وقال بصوت مُرتَجِفْ والدموعْ في عينيه: بَقينا نِتْسابَقْ على أيش كل واحد من إخِوتي بَدُّه يِكْتِبْ، على لَجَنْ العَجينْ، أو على طَبْلِيِّة الخُبِز، أو على الحصيرِة. إسّا أبويْ كان يِعَزِّزْ خالِدْ ابن أُختي أكثر مِنّا ويِمَيْزُه عنّا. إمّي كانت تْمَيِّزْ حياة أخويْ محمود عَني وعن أخويْ الصغيرْ، وأنا أقعُد وأكتب على الحصيرِة.

 

 

رغم المعاناة ينتفض كالمارد من رماد النكبة

 

وقال د. سعد خلال اللقاء: بَتْذكَّر حياة إمّي كانت تْغَسِّلنا باللجَنْ، كانت تَنْشُرْ البنطَلون ونِستناه حتى يِنْشَفْ ونِلبْسُه، ما كان عِنا غَيارْ. بَعدينْ تْحسَّن الوضع واشترى أبويْ هاي الأرض اللي ساكنينْ فيها بِالرُخُصْ وعمَّر غُرُفتين. وعلى السراجْ سِنة الـ1963 قَدّمتْ البِجروت ونجحت.

وتابع أبو محمد: وأنا في الصف الخامِسْ، كان عِنا امتحان حِساب (رياضِيات)، أنا الوحيد اللي بْصفّي أخذت ممتاز، كنت أكتب بِريشِة، وحامِلْ زَيّْ المِخْلايْ أحُطّْ فيها المنقوشِة، وكُلّْ دفاتْري تْغَرَّقت بالزيتْ، وإيديِّ الثنتين تْوسَّخوا بِالحِبِرْ... جاب حياة الأستاذ رجا السعيد الله يِرحمُه العلامات وقال للطلاب أولاد الأغنياء في كفرياسيف: شايفينْ هذا اللي إيديه ملَطّخة بالحِبر وفِشْ معاه دفترْ، هذا الوحيد اللي جابْ ممتاز.

 

لم ينكسر أمام ضغوطات السلطة وأذنابها

 

وتحدث أبو محمد عن والده الذي رباه على روح الانتماء الوطني ولم ينكسر أمام ضغوطات السلطة وأذنابها وقال: يوم من الأيام أجا أحد المعارف كان معلِّم مدرسِة من بلد ثانيِة، أجا لعِند حياة أبويْ وقال: ولادك يابو أحمد شاطرين ومحمود إبنك أخذ أعلى علامات في إسرائيل كلّها، يا أخي ليش ما بِْتِحكي مَعهُم يِتِركوا الحزب الشيوعي أو بِظَلّوا شيوعيِّة بالسِرّْ؟.. ساعِتها بِتوَظَّفوا وبِشْتِغلوا زيّْ الناس!... قام أبويْ طَرَدُه من البيت وصرخْ فيه وقَلُّه: إطلَع من هون، وَلَكْ جايْ تْساوِمني على كرامِة إبني؟...إحنا ما مْنِتْغَيَّر، الشُغُلْ ولا المَذَلِّة إمشي من هون.

وتابع د. سعد: أشتغلتْ أربع سنين شقى وتعب لَحتى أجت المنحة الدراسية على الاتحاد السوفياتي على حساب الحزب وتعلَّمت الموضوع اللي حبّيتُه وأنا صغير (الاقتصاد السياسي) وخلّصت في جامعة ليننغراد وحصلت على الماجستير. (MA) بامتياز وكنت من بين الخمس طلاب اللي حصلوا على الدبلوم لِكبير (دبلوم لينين) سنة 1995.

 

الإنسان ما لازِم يِخْضَع لَجِنرال اليأس

 

وعن ما علمه الدهر وهموم الدنيا قال أبو محمد: أنا اليوم إبن 65 سِنِة تقريبًا. العبرة اللي تعلّمتها في حياتي، إنُّه الإنسان ما لازِم يِخْضَع لَجِنرال اليأس، عليه إنُّه يكون مَشحونًا بِالتفاؤل الواعي وإنُّه بالكفاح الدؤوب والمنظم، المبني على برنامج صحيح وعلى وِحدِة صف كفاحيِّة راسخة ممكن أن يُحقق مكاسب. رغم كل سياسة التمييز العنصرية ضدنا وكل الخنق، أين نحن اليوم من سنوات الخمسين!!، غَصِبْ عَنهِن بِكِفاحْنا حَقَّقْنا إنجازات ولكن مُقابِلها قدّمنا تضحيات كبيرِة جداً من سلسلة مجازر، في كفر قاسم، في يوم الأرض، في الروحَة وفي هبِّة أُكتوبر، قدّمنا ضريبِة الدمّْ، ما في إشي بيجي بِالهَيِّنْ.

 

راضٍ بسيرة حياته

 

وتابع أبو محمد وقال: إن سألتني إذا كنت راضيًا عن سيرِة حياتي فأجيب: بالطبع فلو خُيِّرت بين الخطّْ الفكري والسياسي لحزبنا الشيوعي وخط آخر، ما كنت أختار غير هذا الطريق. أنا بَتْصوَّر إنُّه هناك أشياء كثيرِة في رأسي بَتأمَّلْ صِحتي تِسْمَحلي حتى أقوم فيها ولذلك ما في رِضا مُطلَقْ، فشْ رِضا مُطلَقْ. بَتأمَّل ييجي وقت يبقى فيه ذِهني سليم وتِسمح لي صحتي بكتابِة مؤلّفات بالنِسبِة لتطوُّر الحركِة الوطنيِّة في بلادنا، أو بالنسبِة لشيء من ذكريات الماضي.

 

وصيته الأخيرة

 

وكانت آخر كلمات للدكتور أحمد سعد الأخيرة في هذا اللقاء الذي يعتبر كآخر مقابلة صحفية أجريت معه في صحيفة الحقيقة قال: وصيتي الأولى لأولادي وأقول لهم: مثل ما سيدكو وأبوكو حافظوا على الأرض في البروِة وما قطَعوا الأمل بالعودِة، تَمسكوا بالأرضْ وحقّْ العودِة. والوصيِّة الثانية: ما في أصَحّْ من الخطّ الوطني التقدمي الثوري الفكري السياسي الاجتماعي الثقافي، اللي مشي عليه والدكو، أملي تحافظوا على هذا النهج . هذه هي وصيتي لأولادي وللأجيال الشابة.

 
 
 
 23/04/2010

أضف تعليقا

  أرسل إلى صديق

عن الحقيقة | للإعلان | اتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة للحقيقة