الحقيقة الأسبوعية



اسمع راديو


 

أدب

الرئيسية

 

 أمنية

  بقلم : عصام زكي عرا

عندما كنت في المطار في الآونة الأخيرة, طرق سمعي حديث دار بين أب وابنته قبل افتراقهما بلحظات. كانا يقفان قرب حواجز التفتيش، عند دعوة المسافرين للاتجاه نحو الطائرة، رأيتهما يتعانقان بينما الأب يقول لابنته:
أنا أحبك، وأتمنى لك أن تنالي ما يكفي.
أجابت الفتاة:
يا والدي، لقد كانت حياتنا معا أكثر من كافية، حبك هو كل بغيتي، أنا أيضا أتمنى لك أن تنال ما يكفي.
تبادلا القبل وغادرت الابنة، وسار الأب باتجاه الشباك حيث كنت أجلس وظل واقفا وقد لاحظت أنه يود البكاء، بل أنه يحتاج للبكاء. حاولت أن لا أقحم نفسي في أموره الشخصية، احتراما له، غير أنه بادرني بسؤاله:
هل ودعت في حياتك شخصا ما وأنت تعلم أنه الوداع الأخير؟
نعم لقد حدث لي ذلك أجبت، اسمح لي أن أسألك، لماذا كان هذا الوداع هو الأخير؟
أجابني:
أنا رجل متقدم في العمر، وهي تعيش في مكان قصي جدا، أمامي الكثير من المصاعب وستكون رحلتها القادمة لحضور جنازتي.
عندما كنت تودعها سمعتك تقول، أتمنى لك ما فيه الكفاية، هل لي أن أسألك ما معنى ذلك؟
تبسم وقال:
هذه أمنية توارثتها الأجيال في أسرتنا منذ زمن بعيد، اعتاد والداي أن يقولاها لكل إنسان.
توقف للحظة ونظر إلى أعلى كمن يحاول أن يتذكر التحية بتفاصيلها، ثم اتسعت ابتسامته وقال: عندما قلنا أتمنى لك ما فيه الكفاية كنا نتمنى أن تكون حياة الآخر مليئة بالمسرات بحيث يتسنى له أن تدوم.
بعد ذلك توجه نحوي كمن يشركني بسر، وأخذ يسرد من ذاكرته على مسامعي:
أتمنى لك ما يكفي من ضوء الشمس ما يبقيك متفائلا مهما بدا ذلك اليوم متجهما .
أتمنى أن يكون يومك ماطرا بما فيه الكفاية لكي تقدر أوقات الإشراق حق قدرها.
أتمنى لك ما يكفي من السعادة لكي تظل نفسك مبتهجة على الدوام.
أتمنى لك ما يكفي من الألم بحيث أن القدر الضئيل من السعادة في الحياة يبدو أكبر.
أتمنى لك من الكسب ما يكفي ليشبع رغباتك.
أتمنى لك من الخسارة ما يكفي ليجعلك تقدر ما بقي في حوزتك.
أتمنى لك من الترحيب ما يكفي لأن يسعفك خلال الوداع الأخير.
بعد أن أنهى الرجل كلامه، أخذ يبكي وذهب في سبيله.

يقال أننا لا نحتاج لأكثر من دقيقة للعثور على شخص فريد، ولا أكثر من ساعة لنقدره حق قدره، ولا أكثر من يوم لنحبه؛ ولكننا لن ننساه جميع ما تبقى لنا من العمر.

 
 24/07/2010

أضف تعليقا

  أرسل إلى صديق

عن الحقيقة | للإعلان | اتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة للحقيقة